مقتطفات من حياة أم البنين عليها السلام

مقتطفات من حياة أم البنين عليها السلام
بقلم: ابو زهراء الموسوي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
(أمُّ البنين) عنوان هذه الرسالة التي بين يديك، وقد كتبتها للإشارة بفضلها وسموّ مقامها بقدر معرفتنا القليلة بها، لأن التاريخ ساكت عنها إلاّ بقدر سمّ الخياط.
وهذا هو شأن تاريخ المعصومين(عليهم السلام) فكيف بذويهم، حيث أنه من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زمن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) كان المعصومون وذووهم (عليهم السلام) محارَبين من قِبَل من بيده السلطة والمال والسّلاح.
وهكذا شاء الله تعالى رعاية لقانون الأسباب والمسببات وقاعدة الامتحان وحتى يكون المتبع لهم (عليهم السلام) لا يريد إلاّ وجه الله سبحانه.
كما كان كذلك شأن الأنبياء السابقين من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم (على نبينا وآله وعليهم السلام)..
فإنا لا نعرف من (124) ألف نبي و(124) ألف وصيّ ـ إلاّ القليل منهم ـ حتى الإسم، وأما هؤلاء القلّة فلا نعرف عنهم أيضاً إلاّ شيئا قليلاً جداً، مما ذكر في القرآن الحكيم والسنّة المطهرة أو وصل إلينا بالقطع وذلك يسير.
بل لا نعرف عن نبي  الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو نبيّنا وأقرب زماناً إلينا إلاّ النزر اليسير، حيث لا نعرف شيئاً عن سنيّه الأربعين قبل البعثة إلاّ الأقل من القليل مع أن مثل هذا العظيم لابد وأن يكون له بهذه المدة الطويلة أحوالات تملأ الخافقين.
ومع الأسف إني لم أجد كتاباً عن أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدر الموسوعة التي  ألّفت عن (غاندي) زعيم الهند، حيث كتبوا حوله (ثلاثمائة) مجلّد.
كما لم نجد الكتب التي ألفت حوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقدر ما كتب حول (الإقبال) المعروف، فقد كتبوا حوله خمسة آلاف كتاب ودراسة، فهل نعرف حوله (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة آلاف كتاب؟ وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يمكن أن يقاس بأحد أو يقاس به أحد!!
وعلى أي حال فما لا يدرك كلّه لا يترك كله، ومن هنا كتبت هذه الكراسة الصغيرة بقدر استطاعتي، لعلها تكون خدمة بالنسبة إليها(عليها السلام)، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم):«من ورّخ مؤمناً فقد أحياه».
المرأة نصف البشر
لا شك في أن المرأة كالرجل إلاّ أن (للرجال عليهن درجة) كما ذكره القرآن الحكيم.
أما ما نشاهده اليوم من تأخر المرأة .. سواء بإيقاعها في الفساد كما في الغرب، أو بحصرها في بيتها كما في بعض بلاد الإسلام، فهي نتيجة عدم جريان القانون الإلهي عليها، إما بسببها نفسها، أو بسبب الرجل، أو الأنظمة الحاكمة، أو الاستعمار، أو ما أشبه..
ولذا نشاهد أن المرأة في أول الإسلام ـ حيث طبق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) حكم الإسلام ـ كانت تسير جنباً إلى جنب الرجل:
 فالزهراء (سلام الله عليها) كـــانت تعمل لإدارة البيت ـ مع المشــاق الموجودة حينذاك ـ من الكنس، والسقي، ومتح الماء، وخياطة الثياب، والخبز، والخطابة داخل البيت وخارجه لأجل إحقاق الحق، والعبادة، والتأليف، وتربية الأولاد، وجعل البيت مدرسة لتعليم النساء، وغيرها من الأعمال..
 وكذلك كانت ابنتها زينب (عليها السلام).
والسيدة أم البنين (سلام الله عليها) هي كذلك، فكانت مدرسة في مختلف أبعاد الحياة كما يظهر من التاريخ ـ على قلة ما ورد عنها وعدم استيعابه ـ.
 
من ميزات المرأة
نعم لا إشكال في أن للمرأة بعض الخصوصيات  والميزات، جعلها الله فيها بحكمته الدقيقة في سنن الحياة، فهي تمتاز على الرجل في درجات العطف والحنان كما تختص بمراحل الحمل والرضاع، فإنها وإن اختلفت عن الرجل في بعض ما يرتبط بالخلق كأنوثتها وبعض أحكامها الخاصة، إلاّ أن القاعدة العامة بين الرجل والمرأة التساوي إلاّ ما خرج بالــدليل، وقـــد حمّل الرجل الأمور الخـــشنة كالجهاد وما أشبه مــما لا تناسب المرأة فإنها (ريحانة وليست بقهرمانه) كما ورد في الحديث الشريف.
وإني رأيت في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة ـ حيث كنا ـ قيام المرأة بكثير من الشؤون وفي مختلف جوانب الحياة.
 فكان في النجف الأشرف (سوق النساء) وذلك قرب الصحن الشريف عند الطمّة وكان يشتري منها النساء والرجال.
وكان في كربلاء المقدسة أربعة أسواق لهن، في (الزينبية) و(باب الخان) و(السلالمة) و(شارع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام).
وكانت النساء تشترك مع الأزواج في رعي الأغنام وإدارة البساتين والغزل والخدمات البيتية والخدمات الخارجية مع محافظتهن على الحجاب الإسلامي والشؤون الدينية.
 هذا، ومن لاحظ تاريخ المرأة قبل الإسلام وقرأ أحوال المرأة في الغرب والشرق إلى يومنا هذا، يرى عظيم اهتمام الإسلام بالمرأة، وكيف أعطاها حرياتها وكرامتها وعزها وشرفها، وكيف أخذ بيدها إلى ما يمكنها من التقدم في مختلف مجالات الحياة، حتى قال رسول الله: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).
البيوت المباركة
كانت دور الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) وآلهما (صلوات الله عليهم أجمعين)  بطبيعتها دورا للتزكية والتعليم والتربية للبشرية جمعاء.
وقد سجل التاريخ بعض ذلك .. كما وردت الروايات بالنسبة إلى الزهراء (عليها السلام) فكانت تعلم الأحكام الشرعية وما أشبه للنساء.
وهكذا بعض زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومن الطبيعي أن تكون دار الإمام علي (عليه السلام) وفي حين وجود أم البنين (سلام الله عليها) فيها، مدرسة للتعليم والتزكية.
فإن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ربّى المسلمين ذكوراً وإناثاً على ترك البطالة، والاشتغال الدائم في أمور الدنيا والآخرة..
حتى أن معاوية لما أبطأ في حضوره عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما طلبه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا أشبع الله بطنه» حيث أخبر بأنه مشغول بالأكل والأكل.. 
 
الزواج المبارك
تزوّج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حسب وصية فاطمة (سلام الله عليها) بـ (أمامة) بنت زينب أختها.
ولم نعرف شيئاً يذكر عن (أمامة) ولا عن زينب باستثناء قصة الهجرة وبضع قصص أخرى قليلة مقتضبة جداً.
 وبعدها تزوّج  الإمام علي (عليه السلام) بـ (أم البنين) حيث عرّفها له أخوه كما في قصة مشهورة، وبعد علي (عليه السلام) لم تتزوّج أم البنين (سلام الله عليها) بأحد، مع أنه كان من المتعارف في الإسلام زواج من مات زوجها بإنسان آخر.
نعم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مستثنى عن هذه القاعدة بالنص، قال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) ، وهل كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كذلك بما لم يصل إلينا، أو هي (عليها السلام)  لم ترض بالزواج؟ لانعلم.
فقد شرَّع الإسلام تزويج كل امرأة وكل رجل توفي أحدهما سواء كان ذلك في ابتداء أمرهما أو لم يكن
هذا شيء لم يكن قبل الإسلام ولا بعد مضي أيام عز المسلمين إلاّ القليل ممن استمرّ في الالتزام بالشريعة المقدسة، فإذا مات أو قتل أو طلق الزوج  تزوجت ثانياً وهكذا.. كما ورد في جعفر(عليه السلام)..
وحمزة (عليه السلام) ، وغيرهم.
..وقد قرأت عن (مصر) أن فيها اليوم خمسة عشر مليون شاباً وشابة في سن الزواج ولكنهم لم يتزوجوا بعد!، ونفوسها ستون مليوناً.. ولا نعلم كم عدد الأرامل ومن أشبه.
نعم قرأت عن بلد آخر أن فيه سبعة ملايين أرملة.
والله العالم عن كثرة الانحراف وعدد المنحرفين والمنحرفات من البنين والبنات مما يضرّ دينهم ودنياهم، فإن غير المتزوّج من الرجال والنساء يصاب بالأمراض المختلفة كما هو المشاهد وقد قرره الطب.
أما بالنسبة إلى عدم زواج زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من بعده فمن المعلوم أهمية ذلك، وأنه من مختصاته (صلى الله عليه وآله وسلم).
فكان عدم زواجهن أهم من زواجهن، والشارع المقدَّس يقدم الأهم كلما دار الأمر بينهما.
والظاهر أن أم البنين (سلام الله عليها) لم ترزق من أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بإناث حسب ما سجله التاريخ.
  
زواج الكفؤ
الإمام علي (عليه السلام) كان كفواً لفاطمة (سلام الله عليها) وفاطمة(عليها السلام) كانت كفواً لعلي (عليه السلام)، كما ورد في الأحاديث:
قال الإمــــام الصـــادق:«لولا أن اللـــه خلق أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن لفاطمة كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه».
وفي بعض الروايات تساويهما في الفضيلة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهما (عليهما السلام) في المعنويات قبل الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)، وبعدهما الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وبعده الأئمة الثمانية (صلوات الله عليهم أجمعين).
هذه هي درجات الفضل حسب ما يستفاد من الروايات، والعلم عند الله.
وبعد أن تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) بكفؤه فاطمة (سلام الله عليها)، كانت أمامة حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زوجة له (عليه السلام)، وإن كان بينها وبين الإمام علي(عليه السلام) بون شاسع.. فإنه(عليه السلام) أفضل الخلق بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبعدها جاءت فاطمة أم البنين (سلام الله عليها)، ولها من الفضل والرفعة المعنوية ما لا يسعنا علمه، وإن كانت دون المعصوم (عليه السلام) وحتى دون من لهم العصمة الصغرى كالسيدة زينب والسيدة المعصومة والسيدة نرجس (عليهنَّ الصلاة والسلام).
ومسألة الكفؤ من أهم ما يلزم ملاحظته في الزواج، والمقصود به ما بينته الروايات مثل :
« إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه».
والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حرّض كل رجل وامرأة بالزواج من الكفؤ الشرعي، باختيار كل واحد للآخر حسب الملاك المذكور:(ترضون خلقه ودينه) .
وهذه القاعدة تجري في الطرفين: الزوج بالنسبة إلى الزوجة، والزوجة بالنسبة إلى الزوج، وقد ذكرنا تفصيل الكلام عنه في بعض كتبنا.
فكانت أم البنين (سلام الله عليها) قد بلغت درجة من الفضل والكمال حيث رضي أمير المؤمنين (عليه السلام) بخلقها ودينها، فأقدم على الزواج منها.. أما العكس فهو أوضح من أن يذكر.
لا يقال: كيف يحرّض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما تقدم وعلى البكارة، ثم لم يلتزم هو بما ذكره؟.
لأنه يقال: كان عمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفقا لقاعدة (الأهم والمهم)، ومن المعلوم أن تلك القاعدة مقدمة على غيرها ـ على ما ذكروه في الأصول ـ وقد أشرنا في (الفقه: كتاب النكاح) إلى وجه اختيار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أزواجه.
وكانت أم البنين (سلام الله عليها) في غاية الأدب والأخلاق، فقد قالت لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا تسمني فاطمة!، لأن الحسن والحسين وزينب وام كلثوم (عليهم السلام) يتذكرون أمهم ويتأثرون بذلك، ولذا سمّاها (عليه السلام) بـ (أم البنين) ـ على ما هي العادة عند العرب من الكنية ـ لا باعتبار الانطباق الخارجي، بل باعتبار الانتخاب، والله سبحانه رزقها أربعة أولاد (مثل بدور الدجى) فصاروا مفخرة البشرية إلى يوم القيامة.
 
ذات المعنويات العالية
الشيء القليل الذي نعرفه عن أم البنين(عليها السلام) مرتبط ببعض الماديات وما أشبه، كنسبها وزواجها بعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولادها الأربع وشيء عن أدبها الجم وبعض قضاياها بعد قصة كربلاء...
أما مقدار معنوياتها العالية، ومدى معرفتها وعلومها.. فلم نعلم منه شيئاً يذكر.
نعم يمكننا المعرفة الإجمالية عبر رؤية بعض الآثار..
فمثلاً ورد في أحوال السيدة المعصومة (عليها السلام) أن من زارها عارفاً بحقها وجبت له الجنة..
وهذا شيء لا تصل إلى معرفة كنهه عقولنا، فما كان لهذه السيدة العظيمة من الواقعية والمعنوية والقرب من الله عز وجل حتى أنه سبحانه قرر الجنة لمن زارها؟!
نعم هذه الرواية وأمثالها تدلّنا على مدى عظمتها ولو إجمالاً..
وهكذا بالنسبة إلى ما للسيدة الجليلة أم البنين (عليها السلام) من المعنوية العالية والمقام العظيم.. حيث يمكننا أن نحسّ بشيء من ذلك عبر ما نراه من الآثار المترتبة على التوسل بها وجعلها شفيعة عند الله عزّوجل في قضاء الحوائج ..
فإن النذر لها يحل المشاكل الكبيرة التي هي بحاجة إلى الإمداد الغيبي من الله سبحانه، كشفاء المرضى الذين لا شفاء لهم حسب الظاهر، وإعطاء الأولاد لمن لم يرزق ولداً، ودفع البلايا وغير ذلك..
وهذا مما عليه ألوف القصص من المشاهدات والمنقولات، والسبب لا يكون إلا معنوية رفيعة لهذه السيدة الجليلة يقصر ذهننا عن دركها.
ثم إنا لا نستوعب كثيراً من الماديات،ونحن منها  …
 فما هي الجاذبية؟.
وما هو الكهرباء؟
وما هو تأثير الإرادة القلبية في الأشياء؟
وألف شيء.. وشيء..
فكيف لنا بالمعنويات التي نحن بمعزل عنها، وحتى عن أولياتها؟
إن ذهاب الفلاسفة إلى العقول العشر، والمادية الديالكتيكية، وما أشبه.. من الأمور الواضحة البطلان، دليل بيِّن على أن الإنسان لا يمكنه أن يستوعب الماديات الواضحة، فكيف بالمعنويات التي هي فوق طاقة الإنسان وقدرته؟.
ولعل في زمان ظهور الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ـ حيث يضاف (25) حرفاً على ما بيد الإنسان اليوم من العلوم، فإنها لا تتجاوز الحرفين فقط ـ يظهر بعض الأمور المعنوية بإذنه  سبحانه.
 
أم البنين(ع) والكوفة
وهل كانت أم البنين مع الإمام (عليه السلام) في الكوفة إلى حين استشهاده؟.
لا نعرف ذلك..
وربما يقال: إنها لم تكن مع الإمام (عليه السلام) وإلا لحدثنا التاريخ به، فعدم الوجدان ـ في هكذا موارد ـ دليل على عدم الوجود.
فإذا لم تكن معه (عليه السلام) فما هو السر في ذلك، ولماذا لم يُحضرها الإمام (عليه السلام) معه؟ مع أنه قد اصطحب بعض أولادها كما ذكره التاريخ، فهل بقيت لتبقى دار الإمام ـ بحضورها ـ مدرسة لتعليم البنات وتربية النساء..؟
لا شك أن بيت الإمام (عليه السلام) كانت بحضورها كذلك.
 إن التاريخ المدوًّن لم يذكر إلا جزء صغيرا جدا من أحوال أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)رجالا ونساءً..
 فلم يرد الكثير عن اللاتي كن في أطرافه (صلى الله عليه وآله وسلم): في حجّه وعمرته، وحربه وسلمه، وسفره وحضره، كما لم يذكر التاريخ التفصيل عن حياتهن وأعمالهن وأدوارهن.
ومــــن الواضح أنـــه لم يذكر دور أم البنين (عليها السلام) وعملها بعد قصـــة كربلاء بالشكل الكامل، نعم إنما ذكر بكاؤها وندبتها على أوجز وجه.
بل الأمر يتعداها إلى مريم الطاهرة (عليها السلام)، وخديجة الصديقة(عليها السلام)، وفاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وغيرهن من النساء الصالحات المؤمنات..
ومع كل ذلك فقد بقي الشيء القليل القليل من أحوالهن بما هو مذكور في بعض التواريخ أو الروايات، وفي هذا القليل: الكثير الكثير لمن أراد أن يتذكر أو يخشى.
ومما يستــفاد من ذلك: إن الإسلام لم يخص عمل المرأة بالدار، كما يظهر مما ورد في قصة الـــزهـــراء (سلام الله عـــليها) وخطـــبتها فـــي الـــمسجد واحتجاجها، وإن كـــان قد ورد بالنسبة اليها (عليها السلام)  القليل أيضاً وتفصيل الكلام في (الفقه).
 
أم البنين (ع) و واقعة كربلاء
وفي قصة كربلاء وقضية عاشوراء التاريخية قدمت ام البنين (عليها السلام)  الى الله عزوجل أولادها الأربع، حيث استشهدوا بين يدي  أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
 أما هي بنفسها  (سلام الله عليها) فلماذا لم تأت إلى كربلاء؟
لم يذكر التاريخ السبب في ذلك ـ حسب التتبع الناقص ـ، فلعلها كانت مريضة ـ كما حكي عن فاطمة الصغرى ـ أو مشتغلة برعاية أولاد بنيها، أو غير ذلك مما علمه عند الله سبحانه.
أولادها
كان أولادها الأبطال أبناء أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد استشهدوا جميعاً في نصرة أخيهم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء.
أكبرهم وأفضلهم: (العباس) (عليه السلام) ويكنّى بـ (أبي الفضل) وهو آخر من قتل من الأربعة، حيث قدَّمهم بين يديه فقتلوا جميعاً.
وقد كان للعباس (عليه السلام)عقب ولم يكن لأخوته الثلاثة، وكان رجلاً جميلاً حتى لقّب بـ (قمر بني هاشم).. وكان شجاعاً جسيماً بحيث يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطان الأرض خطاً، وكان لواء الإمام الحسين (عليه السلام) معه يوم استُشهد، ولقِّب بـ (السقّاء) لأنه استسقى الماء من الأعداء لأخيه الحسين (عليه السلام) وعائلته ولكن قُتل قبل أن يوصل الماء إليهم، وكان قد جاء بالماء من نهر علقمة، وقد رأيت أنا هذا النهر قبل نصف قرن في طريق بغداد مبتعداً عن كربلاء بمقدار نصف فرسخ، كذا قالوا بأنه نفس ذلك النهر.
وقد ذكر أصحاب المقاتل شيئا عن بطولة أولاد أم البنين ومواساتهم للإمام الحسين (عليه السلام)  وكيفية استشهادهم، فقالوا:
إنه لما رأى العباس (عليه السلام) كثرة القتلى في أهله وفي أصحاب الحسين(عليه السلام) ـ بالنسبة إلى عددهم القليل ـ قال لأخوته الثلاثة من أبيه وأمه،عبد الله وجعفر وعثمان:
«يا بني أمي تقدموا للقتال، بنفسي أنتم، فحاموا عن سيدكم حتى تستشهدوا دونه، وقد نصحتم لله ولرسوله».
 فقاتل عبد الله وعمره خمس وعشرون سنة فقتل بعد قتال شديد.
ثم تقدم جعفر بن علي (عليه السلام) وعمره تسع عشرة سنة وقاتل قتال الأبطال حتى قتل.
ثم تقدم عثمان بن علي (عليه السلام) وعمره إحدى وعشرون سنة وقاتل قتالاً شديداً حتى قتل.
 وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يحملهم من أرض المعركة إلى الخيمة كما جرت العادة في ذلك اليوم، ولكنه (عليه السلام) لم ينقل العباس (عليه السلام) وتركه في مصرعه حيث ضريحه الآن، وذلك لأسباب مذكورة في مظانها.
وكان كل واحد من أولاد أم البنين يرتجز عند القتال بما هو مذكور في كتب المقاتل.
ولما وصل خبر استشهادهم إلى أمهم ـ أم البنين ـ في المدينة المنورة بكتهم بكاءً مرّاً، لكن كان بكاؤها لهم أقل من بكائها على الحسين(عليه السلام) وذلك في قصة مشهورة.
وهذا الموقف المشرف من السيدة أم البنين (عليها السلام) يدلّ على علوّ معرفتها بالإمام (عليه السلام)..

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (1 منشور)

04/05/2012 21:52:38
احسنت اخي على طرح الموضوع الرائع عن حياة ام البنين عليها السلام - وفقك الله
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة