رياض الريس يجري حديث صحافي مع الإمام علي بن أبي طالب

عدد المشاهدات : 7978
رياض الريس يجري حديث صحافي مع الإمام علي بن أبي طالب

بقلم: الصحافي رياض نجيب الريس

مدخل (زمن الأبواب المغلقة)

روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: احفظوا عني خمساً. لايخافن احدكم إلا ذنبه،ولا يرجو إلا ربه،ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لايعلم أن يقول لا أعلم. وانه إذا فارق الصبر الأمور فسدت. وأيما رجل حبسه السلطان ظلماً، فمات في حبسه مات شهيداً، أو أن ضربه فمات، فهو شهيد.

 

وقال أبشيهي (المستطرف في كل فن مستطرف)

 

ليس أمام الصحافي خيارات كثيرة،في زمان كزماننا الحالي، حيث الأبواب كلها موصدة لمن أراد البحث بحرية عن طريق آمن للكتابة يقول فيه ما يشاء ويسأل عن ما يشاء. أضغاث أحلام. ليس هناك من يجرؤ أن يتباسط مع صحافي عن مدلولاات الأحداث اليوم، واضعاً النقاط على حروف الأزمات.

فالمزالق كثيرة في أيامنا المعاصرة، والثقة معدومة بين الصحافي والسياسي، وحرية المعلومات متاحة في العالم إلاّفي بلادنا. لذلك عزمت ان أسلك طريقاً مختلفاً وغير تقليدي يختصر الزمن، ويعود إلى التاريخ الذي لم يغيّر من طبيعة الحكام ولا من عادات النظام، ولا حتى من مشاهد تهاوي البلدان واضطراب السكان واهتزاز الأركان،ونحن على أبواب السنة الأخيرة من القرن العشرين.

* * *

لكل منا محطات فاصلة في حياته، يؤرخ منها ـ لاحقاً ـ حقبة من تفكيره، بقدر ما يؤرخ منها ـ عادة ـِ بدايات أو نهايات لفترات من صعوده أو هبوطه، سعادته أو تعاسته، فرحه أو قنوطه، شجاعته أو جبنه، إنجازاته أو إخفاقاته. وفي أغلب الأحيان لا تكون هذه المحطات، ساعة ما أو يوماً معيناً او سنة محددة. غالباً ما تكون تراكمات لأشياء وأشياء، اختلط فيها الخاص الشخصي بالعام السياسي، على مدار فترة زمنية محددة.

وفي حياتي محطة، من جملة محطات، أسميتها(زمن الأبواب المغلقة)، نجمت عن تراكم الأيام السياسية التي تلت غزو القوات الإسرائيلية للبنان في نيسان 1982، واحتلالها لبيروت، أول عاصمة عربية تطأها أقدام الغزاة الإسرائيليين منذ قيام الدولة العبرية قبل 35 سنة في حينه. كل ذلك وسط صمت وذهول العالم العربي الذي لم تخرج مظاهرة واحدة في شوارع عواصمه، غضباً أو احتجاجاً على هذا الحدث الجلل. وأدركت ـ كغيري ـ في حينه أننا دخلنا في عصر الذل العربي وأن الغزو الإسرائيلي واحتلال بيروت ما هو إلاّ بدايات الزمن العربي الرديء الذي نعيشه منذ ذلك الحين.

في تلك الفترة الحرجة من زمن الأبواب العربية المغلقة، وأفكارنا مجللة بالسواد، ونفسياتنا مثقلة بالإحباط، وأقلامنا مغسمة باليأس، وحياتنا معلوكة بالمرارة، وأيامنا مسيجة بالقهر، كنا نحن ـ وأمثالي ـ في مهاجرنا الأوروبية، لانملك ألاّ أن نتسقط الأخبار من الإذاعات والصحف، بغضب ما بعده غضب، إلاّ أنه كان غضباً عاجزاً محاصراً لا حرام فيه.

في تلك الفترة بالذات، كنت أكتب مقالاً سياسياً أسبوعياً في مجلة(المستقبل) الباريسية التي كان يصدرها من العاصمة الفرنسية في حينه، الزميل والصديق نبيل خوري، وهي كانت من كبريات مجلات تلك الفترة، فضمّت في حينه كوكبة من صحافيي وكتّاب العالم العربي البارزين.

وسط هذه الأجواء، أزف موعد تسليم مقالي الأسبوعي، وانا ممزق في داخلي، شاعر بوطأة العار الذي لحق بنا كلنا، بينما الأسوار العالية بدأت ترتفع أكثر وأكثر في وجه أية محاولة لاختراقها. وأدركت أنه ليس أمام الصحافي خيارات كثيرة، سواء في زمن الانهيارات النفسية أو في مجال البحث عن طريق آمن وسط ظلمة تلك ـ وهذه ـ الأيام. فليس هناك من سياسي يجرؤ أن يتباسط مع صحافي عن مدلولات أحداث اليوم، طموحاً للوصول إلى عالم الغد.

وفكّرت ماذا يمكن أن يكتب الصحافي داخل هذا الزمن العربي الرديء، وفي أشهر التمزق التي عاشها المواطن العربي منذ الغزو الإسرائيلي للبنان، وسقوط الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، باعترافها أو من دون اعترافها. ماذا يمكن أن يكتب الصحافي العربي تحت ظلال (السلام الإسرائيلي)؟ لم أجد أحداً في العالم أعرفه، يمكنني أن أطرق بابه، لأسأله عن الذي جرى ويجري في أمتنا، وكيف يمكن أن يحلل لي أوضاعها أو يرشدني إلى إصلاحها، حتى أصبح اليأس كلمة نكررها صباح ومساء كل نهار.

* * *

عند هذا المفترق وقعت عيني على كتاب (نهج البلاغة) في ركن على رف من رفوف مكتبتي وقد علاه الغبار، لأنه لم يمسسه أحد منذ أن رُكن عليها قبل سنوات عشر أو يزيد. ومددت يدي وفتحته وقلّبت صفحاته، ومرت ساعات، حزمت أمري بعدها بأن أطرق هذا الباب الأساسي من أبواب أن يرد طلب هذا الصحافي السائل الحيران.

أما أنا، فقد نشأت في بيت بدمشق، كان فيه كتاب (نهج البلاغة) مفتوح الصفحات دائماً إلى جانب القرآن الكريم وتفسير الجلالين وكتب الأحاديث النبوية المختلفة. وأذكر وأنا ما زلت في المراحلة الابتدائية أن أبي نجيب الريّس، أهداني ثلاثة كتب مجلدة بصَمَ عليها اسمي بماء الذهب هي: كتابه الوحيد (نضال) و(كليلة ودمنة) لابن المقفع و(نهج البلاغة) للشريف الرضي. ولعله أراد أن يقول لي إنها الأركان الثلاثة لتأسيس مكتبتك مستقبلاً. الأول: صحافة وسياسة. والثاني: أدب وتاريخ. والثالث: دين وفلسفة.

وبصدفة عجيبة، لم يسلم من مكتبة أبي في بيتنا بدمشق، إلاّ هذه الكتب الثلاثة التي حملتها معي في هجراتي المتعاقبة على مدى أربعين سنة. وضاعت هذه الكتب الثلاثة بين أكوام كتب أخرى واهتمامات مختلفة ورفوف توزعت على أكثر من بيت في أكثر من بلد. إلى أن جاء يوم وقعت يدي على (نهج البلاغة) (صدفة ومن غير تعمّد)، كما يقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمته للكتاب.

قررت أن أطرق باب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وأزوره في (نهج البلاغة)، سعياً وراء حديث صحافي مع خليفة رسول الله ووالد سيد الشهداء.

وهكذا كان. وخرج الموضوع، ونشر الحديث الصحافي في (المستقبل) في 26 شباط 1983.

ولا أذكر أن موضوعاً كتبته حتى الآن، تناقلته الأيدي أكثر من هذا المقال.

* * *

عندما طرقت باب سيدنا الإمام علي بن أبي طالب قبل حوالي ست عشرة سنة، كان لم يسبق لي أن عرفته من قبل. كانت معرفتي به سطحية وتاريخية كمعرفة الآلاف من المسلمين أمثالي.

لكنني تجرأت ودخلت عليه من طريق (نهج البلاغة) للسيد الشريف الرضي، وهو ما اختاره من كلامه. وقد أحسن الشريف الرضي وفادتي، بقدر ما أحسن أمير المؤمنين نصحي.

عند ما فتح لي السيد الشريف الرضي الباب على مصراعيه في كتابه (نهج البلاغة)، كان ذلك بالنسبة لي ساعات ضياء وسط ظلمة كانت تخيّم على كلّ شيء حولنا. وعشت ردحاً من الأنوار في رحاب (نهج البلاغة)، وقد ملأني إحساس وكأننا نهضنا من انقاض الذل الذي تمسحنا فيه كلنا، وخرجنا من دركات العار التي وصلناها.

وأتاح لي السيد الشريف الرضي عبر أيام طويلة، راحة كبرى، ساعدني فيها شرح الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده.وهكذا كان الحديث الصحافي الأول مع سيدنا الإمام علي بن أبي طالب.

* * *

ومرت على هذا الحديث الصحافي سنوات تزيد على عقد ونصف العقد من الزمن. وشعرت بحاجتي

مجدداً لأن أطرق باب سيدنا الإمام علي، بعد أن كنت قد طويت كتابه لوقت طويل، وقد أبعدتني مشاغل الكتابة والقراءة في مواضيع شتى، كان ذلك في يوم أحلكت الدنيا في وجهي. فعدت إلى الحديث الصحافي معه، سعياً إلى شيء من الحكمة، ومع الحكمة شيء من الطمأنينة. كنت أسع إلى مناجاة مع محاور يعرف معنى الألم. لا يفلسف الأمور، ولا يبسطها في آن معاً. لا يقول قوله ويمشي هو، إنما يقول قوله بعد أن يكون قد مشاه هو، وكأنها خطى قد كتبت علينا كلنا.

وقررت أن أقوم بحديث صحافي جديد وموسع مع سيدنا الإمام أستعيد فيه ما كنت قد قرأته من قبل، بوعي الشباب المقبل على فهم الحياة الدنيا، لأفهم الآخرة. وليس في هذه المحاولة دفق أيمان جديد لم يكن عندي من قبل، أو إعجاب بنمط حياة معيّن ولا محاولة لإعادة فهمه أو تفسيره. إن المحاولة أبسط من كل ذلك. إنها استغاثة.

وتوالت الأسئلة، وما كان أكثرها. وطالت الأجوبة وما كان أسخاها. ولأن الأسئلة كانت من واقع اليوم، كانت الأجوبة تحكي رأيه في أهل زمانه، قبل حوالي 1400 سنة. ولكن رأيه في أهل تلك البلاد ما زال صالحاً إلى اليوم في نظر علماء السياسة المعاصرة. وكأن التاريخ لم يغير من طبائع هذه الشعوب، ولم يعلمها درساً واحداً.

وكما يقول سيدنا الإمام، مَن فكّر في بعد السفر، استعد. فعلى الرغم من معرفتي بمشاق ومخاطر الطريق الذي إتخذته للوصول إليه، كنت أعلم علم اليقين أن استعدادي لم يكن كافياً. إلاّ أنني أقدمت.

 

الحديث الصحافي

(ما أكثر العبر وأقل الاعتبار)

(قعد معاوية بن أبي سفيان بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي بن أبي طالب، فقال له رجل: يا أمير المؤمنينن نطيع أحياءكم ولا نتبرا من موتاكم! فالتفت معاوية إلى المغيرة، وقال له: هذا رجلّ فاستوص به خيراً). (العقد الفريد) لابن عبد ربه

 

وكان لابد من بداية لحديثي مع الإمام علي بن أبي طالب، فاستأذنته بسؤالي الأول:

سيدي أمير المؤمنين. ما قولك عن الزمان الرديء الذي تعيشه أمتك؟

(يأتي على الناس زمان لا يقرّب فيه إلاّ الماحل. ولا يظرّف فيه إلاّ الفاجر، ولا يضعف فيه إلاّ المنصف. يعدون الصدقة فيه غُرما. وصلة الرحم مَنّا، والعبادة استطالة على الناس. فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء وإمارة الصبيان وتدبير الخصيان (...لكن) إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان).

لكن كيف يواجه المرء، يا أمير المؤمنين، آلة الحكم وسلطان الحاكم والوضع العربي كما نعرفه اليوم عاجز ومشلول ؟

(لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل ).

لم يعد الجور يا سيدي محصوراً فقط بشخص الحاكم، فالناس جميعهم يتسابقون إلى الاستبداد ببعضهم البعض!

(أفضلُ الولادة مَن بقي بالعدلِ ذِكره، واستمدَّه مَن يأتي بعده. (...و) السلطانُ الفاضلُ هو الذي يحرسُ الفضائل، ويجودُ بها لَمن دونَه، ويرعاها مِن خاصَّته وعامَّتِه، حتى تكثُر في أيامه، ويتحسَّن بها مَن لم تكن فيه. (...لكن ) زمانُ الجائِر من السلاطينِ والوُلاة أقصر من زمان العادل. لأن الجائرَ مُفسِد، والعادلَ مُصلِح، وإفسادُ الشيء أسرَع من إصلاحِه. (...إنما) عجباً للسلطان، كيفَ يُحسِن وهو إذا أساءَ وَجد مَن يُزكَّيه ويَمدحُه).

ما زلنا ـ بعد كل هذه الأعوام ـ رعايا في دول سلاطين بعكس ما هو مدون في الدساتير والقوانين.

فماذا ينصح خير السلف، الضحايا من الخلَف، خصوصاً أن الجامعات الحديثة لا تدرّس الرعايا أساليب التصرف مع السلاطين؟

(صاحب السلطان كراكب الأسد يغبَطُ بموقعه وهو أعلم بموضعه (...و) أضرُّ الأشياء عليك أن تُعلِمَ رئيسَك أنَّك أعرف بالرياسة منه. (... و)اصبر على سلطانك في حاجاتك، فلست أكبر شغله،ولا بكَ قِوامُ أمره.(..أما) إذا قعدت عند سلطان فليكن بينك وبينه مقعدُ رجل، فلعلَّه أن يأتيه مَن هو آثرُ عنده منك، فيُريدَ أن تتنحَّى عن مجلسك، فيكون ذلك نقصاً عليك وشيناً. (...و) إذا خدمتَ رئيساً فلا تلبَس مثلَ ثوبه، ولا تركب مثلَ مركوبه،ولا تستخدم كخدمه، فعساك تسلم منه. (...و) إذا زادك الملك تأنيساً، فزِدهُ إجلالاً).

ياأمير المؤمنين، الشعب العربي مبتلٍ بدوله وحكامه وإلى الآن لم تنفع كل العلاجات فما العمل؟

(صوابُ الرأي بالدول: يُقبلُ بإقبالها، ويذهب بذهابها. (...و) إزالةُ الجبال أسهل من إزالةِ دولةٍ أقبلت، فاستعينوا باللهِ يورثها من يشاء. (...لكن) أشرفُ الملوك مَن لم يُخالطه البَطَر، ولم يحُل عن الحق.(...و) أصحاب السلطانِ ـ في المَثَل ـ كقَوم رَقُوا جبلاً ثمَّ سقَطوا منه، فأقربُهُم إلى الهَلَكةً والتَّلفِ أبعدُهُم كان في المُرتَقَى).

يطالب السلطان بالعدل فيردُّ بضيق الصدر، فما هو الدواء؟

(آلة الرياسة سعة الصدر (...و) من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق).

ما هي يا سيدي أمير المؤمنين، المزايا التي على الحاكم أن يتجنبها؟

(لا ينبغي أن يكون الوالي (...) البخيل، فتكون في أموالهم نهمته. ولا الجاهل، فيضلهم بجهله، ولا الجافي، فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم. ولا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع).

وماذا عن العدو؟

(إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه).

لم نقدر على إسرائيل يا سيدي الإمام، لكننا نعيش عصر التطبيع معها فهل نصالح؟

(لا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى. فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن).

أين الوطن يا سيدي الإمام، وقد أصبحنا كلنا نعيش في غربة قاسية؟

(ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك. (...) الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة).

إنهم يزيّنون لنا الفقر يا أمير المؤمنين، في عصر الغنى العربي.

(ألم أقل لابني محمد بن الحنفية:يا بُني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل داعية للمقت (...) الفقر هو الموت الأكبر (...) ولو كان الفقر رجلاً لقتلته).

لقد شح عطاؤنا يا أمير المؤمنين، حتى يوم كثر مالنا.

(لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه.(...) ومن كثرت نِعَمُ الله عليه كثرت حوائج الناس إليه.(..)

إن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرّمه في الناس ويهينه عند الله. (...لكن) ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى.(...) فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له).

لكن الحاجة تدفع إلى الطلب أحياناً كثيرة يا سيدي الإمام؟

(إن حفظ ما في يديك أحب إليّ من طلب ما في يد غيرك. ومرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس).

نرى صاحب المال يطمع بالمزيد منه!

(الطمع رق مؤبد).

ما الفرق بين العاقل والأحمق يا أمير المؤمنين؟

(لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لساته).

ماذا عن الأحمق؟

(إنه إن ينفعك يضرك).

والفاجر؟

(فإنه يبيعك بالتافه).

والكذاب؟

(فإنه كالسراب يقرّب عليك البعيد ويبعّد عليك القريب).

أليس من الصعب الحكم على النوايا يا سيدي الإمام؟

(ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه).

لقد اختلط عندنا الحق بالباطل فكيف نميّز بينهما؟

(الباطل أن تقول سمعت والحق أن تقول رأيت(...و) الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضى به. (...و) مَن صارع الحق صرعه).

الكلام عن الظلم كثير يا سيدنا، أين يبدأ وأين ينتهي؟

(أُذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند القدرة قُدرة الله عليك).

لقد أصبح الظلم من معالم أمتك يا سيدي الإمام. فكيف المنتهى؟

(الظلم ثلاثة: ظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب. (...و) يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم. (...و) يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم).

الفوضى كبيرة يا مولاي، فالحر يُذلّ والأوغاد يرفع شأنهم وينالون الحظوة فأين العدل؟

(العدل أفضل من الشجاعة، لأن الناس لو استعملوا العدل ـ عموماً ـ في جميعهم، لاستغنوا عن الشجاعة. (...و) عاملوا الأحرار بالكرامة المحضة، والأوساط بالرغبة والرهبة، والسّفلة بالهوان).

يعيش العالم المتحضر يا أمير المؤمنين في عصر العلم، بينما نحن نعيش في عصر السحر والشعوذة المتستر بالدين فماذا تقول؟

(تعلَّموا العلمَ صغاراً، تسودوا به كباراً، تعلموا العلمَ ولو لغير الله، فإنه سيصير لله. (...و) تعلَّموا العلم، وإن لم تنالو به حظاً، فلئن يُذمَّ الزمان لكم.. أحسن مِن أن يُذمَّ بِكم. (...و) العالمُ مصباح الله في الأرض، فمن أراد الله به خيراً اقتبس منه).

ما الفرق بين العالم والجاهل؟

(أول رأي العاقل، آخر رأي الجاهل. (...و) الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حدثاً. (...لكن) العالم من عرف أن ما يُعلَم في جنب ما لا يعلم قليل، فعدَّ نفسه بذلك جاهلاً، بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهاداً. والجاهل من عدَّ نفسه بما جهل في معرفة العلم عالماً، وكان برأيه مكتفياً).

أيهما يفضل على الآخر العلم أم المال يا سيدي؟

(العلم خير من المال. والعلم يحرسك وأنت تحرس المال. المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق.

العلم حاكم والمال محكوم عليه. (...) إن المال من غير علم كالسائر على غير طريق).

ليس كل ما يحدث من ظواهر دينية في العالم العربي، ينطلق من الدين حقاً. هل تشاركني الرأي يا سيدي؟

(إن أخوف الأشياء على هذه الأمة من الدَّجّال، أئمة مضلون، وهم رؤساء أهل البدع. (...و) إن كلام الحُكماء إذا كان صواباً كان دواء، وإذا كان خطأ كان داء. (...) إحذر التَّلون في الدين).

أحوال العبادة في عالمنا قد ساءت يا سيدي الإمام. لم نعد ندري الصواب في عبادة الناس اليوم يا أمير المؤمنين، ووراء أي إمام نصلّي؟

(إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار. وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد. وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار).

أين حكمة أغنيائنا اليوم، ونحن نعيش في عصر هدر المال العربي؟

(إنما لم تجتمع الحكمة والمال، لعزة وجود الكمال. (...و) أنت مخيرٌ في الإحسان إلى من تُحسن إليه، ومرتهن بدوام الإحسان إلى مَن أحسنت إليه، لأنك إن قطعته فقد أهدرتَه، وإن أهدرتَه..فلم فعلته! (...لكن) شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزقُ، فإنه أخلقُ للغنى، وأجدر بإقبال الحظ عليه).

إن المال أفسد حياتنا، وقد تكالب الناس عليه، يا سيدي. فماذا ترى؟

(ثلاث يُؤثِرون المال على أنفسهم: تاجر البحر، وصاحب السلطان، والمُرتشي في الحكم. (...) إن الله ـ سبحانه ـ فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما مُتِّع بع غني. والله تعالى سائلهم عن ذلك).

لقد مررنا يا خليفة رسول الله على مواضيع شتى ولكننا لم نتطرق من قريب أو بعيد على البخل والبخلاء.

لا شك أن لك آراء واضحة في هذا المجال؟

(إياك ومصادقه البخيل، فإنه يقعد بك عند أحوج ما تكون إليه. (...و) البخل جامع لمساوىء العيوب، وهو زمام يُقاد به إلى كل سوء. (...و) البخيل مستعجل الفقر: يعيش في الدنيا عيشَ الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء).

ما الفرق بين البخيل والسخي يا أمير المؤمنين؟

(البخيل يسخو من عِرضه بمقدار ما يبخَل به من ماله، والسَّخيُّ يبخَل من عِرضه بمقدار ما يسخو به من ماله. (...و) السَّخيُّ شجاع القلب، والبخيل شجاع الوجه. (...و) البُخل عار).

كيف نعرف الجاهل والمهان والذي تجوز عليه الرحمة يا أمير المؤمنين؟

(الجاهل يُعرف بست خصال: الغضب من غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطيَّة في غير موضعها، وألاّ يعرف صديقه من عدوِّه، وإفشاء السِّرِّ، والثقة بكل أحد. (...و) ثمانية إذا أُهينوا فلا يلومون إلاّ أنفسهم: الآتي طعاماً لم يُدعَ إليه، والمتأمِّر على رب البيت في بيته، وطالب المعروف من غير أهله، والدَّاخل بين اثنين لم يُدخلاه، والمُستخِفُّ بالسلطان، والجالس مجلساً ليس له بأهل، والمُقبل بحديثه على من لا يسمعُه، ومَن جرَّب المُجرَّب. (...لكن) ثلاثة يُرحمون: عاقل يجري عليه حكم جاهل، وضعيف في يد ظالم قوي، وكريمُ قوم احتاج إلى لئيم).

هناك خيط رفيع بين الذل والكرامة. أليس كذلك يا إمام؟

(زهدُك في راغب فيك، نقصان حظٍّ، ورغبتُك في زاهد فيك ذلُّ نفس. (...و) التَّذلُّل مسكنة. (...لكن) التواضع إحدى مصايد الشَّرف).

الكآبة سمة من سمات هذا العصر، فما هي أسبابها؟

(ستة لا تُخطئُهم الكآبة: فقير حديثُ عهد بغنى، ومكثرٌ يخاف على ماله، وطالب مرتبة فوق قدره، والحسود، والحقود، ومخالط أهل الأدب، وليس بأديب).

ماذا عن إقبال الدنيا وإدبارها يا سيدي الإمام؟

(إذا أقبلت الدنيا على أحد، أعارته محاسن غيره، وإذا ادبرت عنه سلبته محاسن نفسه. (... و) وإذا أيسرتَ فكل الرجال رجالك، وإذا أعسرتَ أنكركَ أهلك (...و) إن كنت جازعاً على ما يفلتُ من يديك، فاجزع على ما لم يصل إلين. (...و) إذا أراد الله أن يسلط على عبد عدواً لا يرحمه سلَّط عليه حاسداً).

لقد صَعُبَت الكتابة علينا هذه الأيام، يا إمام؟

(تأمَّل ما تتحدَّث به، فإنما تُملي على كاتبيك صحيفة يُوَصِّلانها إلى ربك، فانظر: على من تُملي، وإلى من تكتب؟

ما هو الدليل إلى العمل الصالح في عهود الفساد؟

(إحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحى منه في العلانية. واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه).

إننا نعيش زمن الهزائم المّرة والمتكررة، فما العمل؟

(الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك. فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر).

الجميع بات يعتقد أن التردي الحالي عائد إلى خلل في التكوين العربي؟

(من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن).

في صراعاتنا العربية عدنا إلى العصبية الجاهلية وداحس والغبراء فهل من نصيحة؟

(من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق).

لقد أصبحنا اليوم كأمة من غير أصدقاء؟

(أعجزُ الناس من عجز عن اكتساب الأخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم. (...لكن) لا تتخذن

عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك).

هل ثمة أمل بعد كل هذا يا أمير المؤمنين؟

(من وثق بماء لم يظمأ).

ألا من مسك ختام لحديثنا هذا يا سيدي أمير المؤمنين؟

(ما أكثر العبر وأقل الاعتبار).

 

 


إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة