المدرسة العضدية في كربلاء . . . اولى المدارس الاسلامية في العراق
لندن (بلاد نيوز ) - بقلم: د. رؤوف محمد علي الأنصاري
كانت المدارس في القرون الإسلامية الأربعة الأولى في العراق تتخذ من المساجد و الجوامع والبيوت أماكن لها، حيث كان العالم يجلس فيقصده الناس ليكتسبوا من علمهِ و ثقافته. وكانت منزلة العالم ومكانته تتحددان بسعة علمه وقدرته على إيصاله إلى طلبتهِ ومريديه عن طريق المحاضرات والأحاديث والمناقشات أو الإملاء أو الشرح أو نحو ذلك.
ولم تكن الدولة تتدخل في تعيين العلماء، والعالم كان حراً يعلّم ما يشاء ولا يتدخل أحد في شؤونه ولا يأخذ عن ذلك أجراً. وأدى تطور الحركة الفكرية والدينية واتساعها إلى ظهور المدارس في بغداد وانتشارها، وراحت تتطور تطوراً سريعاً منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وعندما حل القرن الخامس الهجري كانت لها خصائصها وتطورها المتميز من حيث استقلال البناء وهندسته وإلحاق الأقسام الداخلية للطلبة فيها ومناهج الدراسة وغيرها، وكانت تختلف عن حلقات المساجد والجلسات العلمية في البيوت. فصارت هذه المدارس هي المكان المخصص للدراسة، كما كان يخصص مكان للسكن وذلك في وحدة معمارية وإدارية متكاملة.
ومن المدارس الأولى التي أنشئت في العراق المدرسة العضدية في مدينة كربلاء المقدسة والتي شيّدها عضد الدولة البويهي عند زيارته للمدينة وتجديده لعمارة الروضة الحسينية سنة 369هـ (980م)، وكان موقعها بجانب مسجد رأس الإمام الحسين (ع) الذي شيّده عضد الدولة أيضاً بالقرب من باب السدرة أحد أبواب الروضة الحسينية.وقد أزيلت هذه المدرسة سنة 1354هـ (1935م) لغرض فتح شارع يحيط بالروضة الحسينية.
ومن أولى المدارس الأخرى التي أنشئت في العراق هي المدرسة النظامية، أنشاها نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ملك شاه في بغداد سنة 457 هـ (1065م). وكانت تقع في نهاية سوق الثلاثاء في محلة الحظائر (في موضع سوق الكمرك الحالي وخان اجغان). وبقيت هذه المدرسة قائمة حتى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وذكرها معظم المؤرخين والرحالة, كابن جبير وابن بطوطة والمؤرخ حمد الله المستوفي.
وتشير معظم المصادر التاريخية إلى أن بناء أول مدرسة إسلامية شيّدت في العراق هي المدرسة النظامية في بغداد، وبالمقارنة بين التاريخين اللذين ذكرتهما المصادر القديمة، يظهر أن المدرسة العضدية في كربلاء شيّدت قبل المدرسة النظامية بحوالي 88 عاماً، وعليه فإنها أولى المدارس الإسلامية التي شيّدت في العراق.
ومن أولى المدارس أيضاً التي شيدت في العراق هي مدرسة أبي حنيفة التي احتلت مكانة بارزة في تلك الفترة. أنشأها أبو سعيد المستوفي سنة 459هـ (1067م) بجوار مرقد أبي حنيفة (النعمان بن ثابت) في بغداد.
وانتشرت في بغداد بعد ذلك مجموعة كبيرة من المدارس المهمة، مثل مدرسة أبي بكر الشاشي سنة 482هـ (1089م) والمدرسة التاجية سنة 482هـ (1089م) أيضاً، والمدرسة القادرية سنة 513هـ (1120م)، ومدرسة أبي شجاع سنة 520هـ (1126م)، والمدرسة الكمالية سنة 535هـ (1141م)، والمدرسة الثقتية سنة 540هـ (1146م)، والمدرسة الفخرية سنة 568هـ (1173م)، ومدرسة ابن الجوزي سنة 570هـ (1175م)، والمدرسة المجاهدية سنة 637هـ (1240م)، وسواها من المدارس التي كانت تزخر بها بغداد في تلك الحقبة من الزمن.
وانفردت بغداد في النصف الأول من القرن السابع الهجري بإنشاء أهم المدارس فيها وهي المدرسة المستنصرية.
إن كثرة انتشار المدارس في القرنين السادس والسابع الهجريين لم تؤثر في النمط القديم القائم على الدراسة في حلقات المساجد والجوامع العلمية التي كانت تتصف بالحرية التامة. وذكر الرحالة ابن جبير عند زيارته لبغداد أن عدد مدارس بغداد بلغ ثلاثون مدرسة، ولم يبق منها في الوقت الحاضر سوى ثلاث مدارس هي: المدرسة المستنصرية والمدرسة الشرابية (القصر العباسي) والمدرسة المرجانية.
ويمثل تخطيط هذه المدارس طرازاً معمارياً معروفاً في العراق يعرف بالطراز الحيري، يتألف من عناصر أساسية تعتمد على الربط بين الفضاء الخارجي المكشوف والأروقة التي تلعب دورها الوظيفي في الحياة اليومية، باعتبارها حلقة الوصل التي تجمع بين وحدات الغرف الداخلية والفضاءات المكشوفة والأروقة شبه المكشوفة التي تساعد في حماية المبنى من حرارة أشعة الشمس في الصيف.
أما المدرستان المستنصرية والشرابية فتتميزان بالإفراط في استعمال التشكيلات الزخرفية الآجرية ذات التقنية المتنوعة والعناصر المعمارية المختلفة، وهذا ناتج عن التفنن في صف الطابوق (الآجر) وحفر أشكال هندسية ونباتية بطرق فنية متنوعة وزخرفة كتابات تذكارية غاية في الدقة والجودة وبخطوط مختلفة أهمها الخط الكوفي الجميل.
أما أهم المدارس الأسلامية الأولى في العراق والتي مازالت شاخصة إلى يومنا هذا هي:
((المدرسة المستنصرية))
تُعتبر المدرسة المستنصرية الواقعة في جانب الرصافة من بغداد بالقرب من جسر الشهداء وتطل على نهر دجلة أول جامعة في العالم الإسلامي، وهي منسوبة إلى الخليفة العباسي المستنصر بالله، وقد شيّدت سنة 631هـ (1234م) في أواخر الدولة العباسية. وتشكل من الوجهة الفنية والتاريخية والمعمارية نموذجاً رائعاً من الأمثلة المعمارية خصوصاً بما ينطوي تكوين البناء على خصائص مميزة في العمارة الإسلامية.
تحتل المدرسة قطعة من الأرض مستطيلة الشكل، طولها من الخارج 104.80 متر وعرضها في الجهة الشمالية الغربية 44.20 متر، وتتسع في الجهة الجنوبية الشرقية فيصبح عرضها 46.80 متر، ومساحتها الكلية 4836 متراً مربعاً. أما الصحن فمستطيل الشكل طوله 62.40 متر وعرضه 27.40 متر.
وأبرز ما انطوت عليه العمارة الإسلامية هو إحلالها الصحن (الساحة الداخلية المكشوفة) المكان الأول فى التخطيط، وتأتي الغرف والأواوين والمداخل والممرات لتحتل مكانها حول تلك الساحة التي تتجه إليها كل مرافق البناء، بينما تقتصر الواجهة الخارجية على الأبواب المؤدية إلى الداخل.
من المميزات المعمارية الواضحة في بناية المدرسة المستنصرية امتداد الإيوان في وسط الواجهة الداخلية على طابقين يحيطان بالبناء، وهذا ما يؤكد أهمية الفضاء الأوسط لإضاءة بناية كبيرة كهذه استخدمت للدراسة وتلقي العلم. ويأتي بعد الفضاء المكشوف الرواق المسقف المكشوف ثم الغرف والقاعات التي تحتوي على مرافق السكن والدراسة والمطالعة.
أن التنسيق الذي اتبع في تدرج الفضاءات ابتداءً بالفضاء المكشوف والنور المباشر ومروراً بالفضاء نصف المكشوف ثم انتهاءً بالفضاء المسقف ذي الإضاءة الداخلية يشير إلى النظام المتبع في المباني الإسلامية وإلى أسلوب التخطيط المعماري الذي أكدته البيئة ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
واستخدمت العقود الآجرية في بناء سقوف بطابع معماري محلي وبمقاييس هندسية في الارتفاع، وتوصل المعماري إلى حلول مناخية ملائمة لأنه استطاع أن يحمي الفضاء الداخلي من إشعاع الحرارة المباشر بواسطة السقوف المعقودة والجدران السميكة والأروقة والممرات الداخلية التي نظمت تيارات التهوية في البناء.
واستخدمت في الواجهات الخارجية للمدرسة المستنصرية تشكيلات زخرفية بواسطة حفر لوحات مختلفة الأحجام من الطابوق (الآجر) وعلى مساحات معينة من الجدران بحيث أضفت مسحة جمالية رائعة على هذا البناء. أما مدخل المدرسة فيقع في منتصف الضلع الشمالية الشرقية تقريباً، ويبلغ ارتفاعه 16 متراً وهو ذو واجهة مزخرفة ذات أشكال هندسية رائعة.
((المدرسة الشرابية))
تقع المدرسة الشرابية (القصر العباسى) أو دار المسناة الناصرية على نهر دجلة في جانب الرصافة من بغداد، وبالقرب من ساحة الميدان. ويعتبر هذا المبنى التاريخي نموذجاً مهماً من الريازة العباسية في عصرها المتأخر. واستخدم الطابوق (الآجر) في تحلية العقود بهيئة فصوص ومقرنصات ذات تكوين هندسي ينحدر إلى الأسفل، فيكون مجاميع لنحوت هندسية تتميز بها العمارة الإسلامية في العراق بصورة خاصة.
ويقول بعض المؤرخين إن الخليفة الناصر لدين الله هو الذي بنى هذه المدرسة، وينسب آخرون هذا البناء إلى شرف الدين إقبال الشرابي الذي بنى ثلاث مدارس أخرى تحمل اسمه، في بغداد والكوت ومكة المكرمة.
شيّد هذا المبنى سنة 622هـ (1225م)، ويتألف من ساحة كبيرة أبعادها 21.50 متر × 20 متراً، يحيط بها رواق يتألف من طابقين وتشرف على الرواق مجموعة من غرف فوقها مجموعة غرف صغيرة الحجم نسبياً، أبعاد كل غرفة 3,80متر× 2,32 متر، ويرتكز الرواق قي كل طابق لقسمي البناية الشمالي والجنوبي على ثماني دعامات. وفي القسم الشرقي منه يقع إيوان كبير نسبياً يعتبر من أجمل أقسام المبنى في البناء والزخرفة، أبعاده . 8.50 متر × 5 أمتار، وارتفاعه أكثر من 9 أمتار تقريباً، ويرتفع قوسه لمستوى الطابقين، وسقفه بيضوي الشكل تحفّ به زخارف جميلة تتألف من أشكال نباتية وهندسية.
ويشرف على الساحة من الجهة الجنوبية سبع غرف صغيرة وفوق كل غرفة توجد غرفة في الطابق الثاني، وخلف هذه الغرف السبع ممر طوله 26.70 متر وعرضه 1.28 متر وارتفاعه بارتفاع المبنى بطابقيه. ويشرف هذا الممر على أربع قاعات كبيرة ارتفاعها بارتفاع طابقي المبنى. وللممر خمسة منافذ تؤدي إلى القاعات، ما عدا منفذ الجهة الغربية، فيؤدي إلى المدخل الرئيسي المطل على نهر دجلة. واستخدم الطابوق ذو الوجه المصقول والجص في بناء المدرسة الشرابية، فأصبح به المبنى أكثر روعة.

((المدرسة المرجانية))
تقع المدرسة المرجانية في جانب الرصافة من بغداد بالقرب من المدرسة المستنصرية وكذلك أحد أسواق بغداد القديمة الشهيرة وهو سوق الشورجة.
شيّدت المدرسة من قبل حاكم بغداد أمين الدين بن عبد الله مرجان سنة 758هـ (1357م) وسميت باسمه، وقام بتمويل هذا البناء الشيخ حسن الجلائري مؤسس الدولة الجلائرية. وتحولت المدرسة في ما بعد إلى مسجد جامع يعرف اليوم بجامح مرجان.
تتكون المدرسة المرجانية من طابقين وتحتوي على غرف كبيرة للدراسة وغرف صغيرة لسكن الطلاب، كما في المدرسة المستنصرية. تم البناء بالطابوق (الآجر) والجص. وتتميز المدرسة بزخارفها الآجرية الرائعة، وكذلك بكثرة نصوصها التاريخية والدينية. وتتركز الزخارف خصوصاً على بوابة المدخل من الخارج والداخل وعلى جدران مصلى المدرسة الذي يُعتبر روعة في فن الزخارف الآجرية في العراق. ويتألف مصلى المدرسة المرجانية من قاعة مستطيلة مقسمة إلى ثلاثة أقسام عن طريق عقود مدببة تحمل مع باقي جدار المصلى القباب الثلاث التي تغطي المصلى. ويتصل المصلى بصحن المدرسة عن طريق ثلاثة مداخل معقودة، الأوسط منها أوسع وأعلى ارتفاعاً من المدخلين الجانبيين. وهذه الظاهرة نفسها تتميز بها القبة الوسطى للمصلى، فهى أعلى وأوسع من القبتين اللتين على جانبيهما.
أما محراب المصلى فهو على شكل مستطيل داخله حنية، تكسوه من الداخل والخارج زخارف آجرية جميلة رائعة، تشكل مع زخارف جدران المصلى ومناطق انتقال القباب وعقودها ثوباً جميلاً يغطي معظم جدران المصلى الداخلية.
أما إيوان المدرسة فشيّد بشكل ضخم على غرار الأواوين البغدادية المعروفة آنذاك كالمدرسة الشرابية (القصر العباسي) والمدرسة المستنصرية. والفرق الوحيد هو أنه مبيض بالجص ولا تزينه الزخارف الآجرية، كما هو موجود في المدرسة الشرابية والمدرسة المستنصرية، وربما كان في الأصل مزخرفاً وقد تساقطت زخارفه نتيجة الإهمال وفي مراحل تاريخية مختلفة.
والواقع أن معظم أقسام هذه المدرسة هدم من قبل أمانة العاصمة ما بين 1945م و 1948م لتحقيق استقامة شارع الرشيد، وتم نقل بعض الكتابات التاريخية والزخارف الآجرية العائدة لها إلى القاعة الإسلامية في المتحف العراقي.
ومن أجزاء المبنى التي لا تزال قائمة هي البوابة الفخمة التي تحوي المدخل الرئيسي وتحف به مئذنة المدرسة الواقعة على يسار الداخل، وهذه البوابة تشبه بوابتي المدرسة المستنصرية والمدرسة الشرابية من حيث الشكل ونوعية الزخارف الآجرية.

السيد مقتدى الصدر : نحن في طور وضع اللمسات الاخيرة لحل الازمة السياسية في البلد
العراق-النجف الاشرف (بلاد نيوز )-ب ك-وصل الى النجف كل من رئيس مجلس النواب العراقي اسامة النجيفي ونائبه روز نوري شاويس والدكتور برهم صالح عضو التحالف ... التفاصيل
- تذهيب مآذن مرقد السيد محمد بسامراء بعد ازاله الكاشي الكربلائي القديم عنها (مصور) 13
- المرجع الديني محمد اليعقوبي يسجل اربع نقاط حول ظاهرة "الايمو" في العراق 12
- المرجع اليعقوبي يشيد بكل الجهود المخلصة التي تبذل من أجل تقديم أفضل الخدمات لزوار العتبات المقدسة في العراق 11
- بالصور: الجيش السعودي يمنع الزوار الشيعة من زيارة قبر السيدة ام البنين في البقيع 8
- تقرير مصور: زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي الى مدينة كركوك 7

إكتب تعليق