مقال | قصة "الرحــــلة الاخيــرة"

عدد المشاهدات : 789
مقال | قصة "الرحــــلة الاخيــرة"

بقلم: فـــاضـــل الچالي - كاتب عراقي مقيم في بغداد.

ممرات طويلة بلون أصفر باهت،تستمر ماشيا فيها...بسرعة كهرولة متعب،تؤدي بك الى أبواب صدئة لا تعرف عددها...سوى أنها أبواب مصاعد،تدخل في علبة حديد رصاصية،كنت آخر الداخلين فيها.

ينظر الى ملامح وجهك الهيبي كل الاشخاص المتلاصقين كسمك في علبة سردين ...تحس برجفة برد تعتريك، تفتعل اللامبالاة..فتراقب اللوحة التي تشير الى طوابق المبنى، تبقى النظرات تتوزعك وتتقاطع فيما بينها، يثقلك شيء ما!

وفجأة يفتح باب المصعد ،ترمي جسدك للخارج..لترى نفسك أمام لوحة تشير الى ذلك الارتفاع الشاهق الذي أوصلك اليه المصعد،تنعطف في ممــر عريض قصير يؤدي بك الى ممــر ضيق طويل ،تمشي خببا،ترى أناسا الى يمينك يملؤن قاعة الاستراحة يشاهدون التلفاز بقناته الوحيدة المتاحة.. لم ينتبه اليك أحد، تستمر ..كلمات طيبة كدت تنساها..وأخرى سمجة..تحس أخيرا بالسكون،تراقب أرقام الغرف وفي ذهنك أستحــضــار لكلمات تريـد أن تقولها.

تستمر شاخصا ببصرك أعلى الابواب..تتيبس شفتاك ..تتمنى الموت أو الانسلاخ من جسدك الى جسد آخر لا يعرفك فيه أحد، ترى نفسك قزما ذميما،تفكر في الرجوع....سنين طويلة،ثم تجيء الان لتراها ذابلة.

كانت كالريحانه. تتقافز بين ممرات البستان الكبير الذي يجمع عائليتكما كل نهاية شهر،وكبر حبكما فيه كشجرة أنغرست جذورها بعيدا في حشاشة قلب الارض.

تقف،تدقق النظر....تتردد لحظات..أذن لابد من الدخول..أتدخل لتراها خاوية كيف لعينيك أن تنظرا الى شعرها،عينيها الى كل جزء من كيانها المتهالك.

ترى البــــاب لحـــظة زمنـيـة تنقلك من عالم الى عالم آخر!!

يدخل جسدك بقوة ..تشاهد أشباحا ممددة على أسـّـرة بيضاء تتفحص وجوهها الصفراء،تدير رأسك الى زاوية..تــــــــراها يتقوس حاجباك،تعض شفتك السفلى ،يتزلزل جسدك المسافر دوما ،تراك تريد أن تنهض ..يتحرك جسدها الذاوي ببطء،يرتفع صدرها قليلا..لكنما يخمد ثانية ..ترى الثورة في وجهها،لا تستطيع أن تجلس ،مشدودة الى السرير دونما وثاق،تقترب منها تنحدر دموعك وتخرج من اعماقك .. آه ..ثم يهرب صوتك الى هوة سحيقة.

تشخص اليك ،لا تستطيع أن تصف أي عينين كانت تملك وكيف هما الان ، و وسط الوجوم..تحس بالنظرات كالنبال تخترق جسدك من نزيلات الغرفة..يتوقف الزوارعن التهام السندويجات،يجتمع جيش من العيون ليحاربك بصمت،تخور قواك ..يتدارك الكرسي،تجلس قبالها..يخرج صوتك ذبيحا..

- كيف أنت ..أم الخير.

- كما ترى!

- كيف حدث هذا!؟

- أنا نفسي لا أدري....

 

ينهزم صوتك هاربا،يلقى نفسه في راحتي يديك ..كان لا يحلو لك أن تقول لها خيرية..تعصفك لذة غريبة حينما تدعوها (أم الخير)،تلملم ذهنك ..ثم تقول لها بخفوت:

- كنت ألهو..سينما،كتب ..مسرح ،دراسة أصدقاء من كل الاصناف..مسافر دوما بحقيبة صغيرة لا ألوي على شيء ،لا أستقر في مدينة وتصلني بعض الرسائل واذا كنت تسأل عنا فنحن بصحة وخير- يرتفع صوتك مبحوحا- بصحة وخير وخير وخيروخيروانت مقيدة دون قيود ،أسألهم أبي كيف هي أم الخير..اخي كيف هي..يكتبون لي بأتفاق..ملاحظة هي بخير نشطة مرحة ..لماذا،أنا لا أعلم ..اسهر ،انام وانت مكبلة مثقلة ..انت لم تبعثي سوى تلك الرسالة اليتيمة،تطلبين فيها عودتي..لم افهم ..لم أفهم!!

يتحرك جسدها قليلا..و تسند ظهرهابصعوبة الى الوسادة،تنظر اليك تنساب الدموع.

- كيف علمت؟؟

- التقيت صديقنا عبد الحكيم في مطعم أحدى المطارات،كان هازئا بي طوال ساعة ،كنت مستغربا سلوكه الباهت،لم أره منذ أعوام طويلة كان يفترض أن يضمني الى صدره..لأشم عطر صبانا..لم أره منذ أمد بعيد لكنه جامد كجليد..أفقدني أعصابي،لم أستطع ساعتها أن أمضغ لقمة واحدة..نسيت نفسي،فأمسكت بجاكتيه وأنا أصرخ مالك؟ أخبرني هل مات ابي امي هل ماتوا كلهم؟؟

كنت سأطبق عليه لو أستمر صامتا- تصمت،ترتخي أوصالك عيناك تقبلان أم الخير- كان عبد الحكيم يتكلم بصوت كالسيف:

- أرجع..أنت من أنت لا تعرف بالتأكيد،حبيبتك من هي لا تعرف بالتأكيد أرجع لا يكن وطنك الحقيبة دائما؟؟!!.

وصمتنا وسط ذهول المسافرين من كل حدب وصوب كانوا لا يعرفون بأية لغة نتحدث لكنني أحسست بأنهم فهموا كل حرف كأنما أحسوا بوجعي وغربتي وهجرتي،قرأوا صلفي..لكنني لست سافلا..لست قزما..لم يمت أهلي أذن؟ لم التوبيخ..من الميت أذن؟...لم أستطع حشر أّيّ سؤال أخر فقلت له بتوسل:

- أم الخــــير ..كيف تركتها؟

- أرجع الى بغداد..و أم الخير!

خفت سؤاله عن أي شيء آخر،رغم أحساسي بشؤوم اللحظة تلفــّـت حولي أستدركت نفسي تلمست حقيبتي أمسكت جوازسفري بقوة..وبعد صمت قلت له:

- أيــــــن هــــي؟

- في مستشفى م.....

لم أسمع بقية كلامه لم أستطع حتى أن التفت اليه..أحسست بالخزي وبعد يوم من الاجراءات،جئت على متن أول طائرة- تستمرفي النظر الى أم الخير..تحس كأنك شجرة تيبست فأخضرت رويدا وفي الطائرة من مطارأحدى العواصم الكبرى،لم تعرف لأسمها رغم تجوالك الكثير.

يذهب المسافرون الى المدينة لمدة ساعة ..وتبقى أنت تحاصرك الخيالات في زاوية من زوايا قاعة الاستراحة الكبرى كرجال المافيا ..تقترب منك ببطء وصمت ..لا أحد بجانبك ..تصرخ بهلع ،يهرع نحوك رجال وفتيات شقر..يسألونك ،كان لسانك مصلوبا،يلتفتون حولك يمسحون وجهك المتعرق،ثم تصحو...تراهم واجمين،تشكرهم،يتفرقون من حولك..تسترخي بأغفاءة قصيرة لم تستطع أن تهنأ بها..يشرخ أذنك صوت فتاة عذب ،يرجو المسافرين التأهب لركوب الطائرة، تركض بأتجاه الباب المؤدي لها.

كنت أول متسلق للدرج ، تدخل...تجلس وفي داخلك توسل الى العملاق المجنح أن يطير،وبعد ساعات من التحليق ومحطة توقف أخرى..تشعر بالاختناق نفسه وتخرج ذكريات الرحلة الى فمك:

- آه..آه يا أم الخير..كانت أطول رحلة في حياتي ،كنت كلما اقترب كلما أشعر بالغربة..مستوحشا كلما تطوى مسافة..كنت أفكر بالغفران..هل ستغفرين لي..أفكر بالبكاء في حضرتك.

كان صوت الطيارالذي تحدث بدبلوماسية مرحة كوخز في ضميري كحزم شوك صحراوي يلقى على ظهري العاري...

- أهــــــلا بــــــكم..وصلنا سالمين..الى رحاب التاريخ ومولد الحضارة!!

كنت عاشر مسافرفي الصف المؤدي الى موظفي المطار،تتلفت حولك تقرأ عبارات أرشادية ،سنين طويلة،لم تقرأ أي شيء بلغتك عدا الرسائل التي ارسلتها او وصلتك. في أول مرة سافرت كان الصف المؤدي الى أكمال التأشيرات قاتلا ورهيبا وحينما عدت،ضغطت على اوصالك الاختام والتواقيع،صلبتك النظرات،نخرك الخوف كان الصف المؤدي للخارج طويلا طويلا..لم تذهب الى أهلك رغم السنين

- جئت اليك..لن أذهب أبدا..ولن أرحل أبدا..أم الخير تدرين أن الخضرة ملأت طريق المطارلقد تغير كل شيء.

أم الخير لن أرحل عنك بعد الان...

تتهاوى،تسحب جسدك الى الخارج أجساد بشرية لا تعرف وجوهها تفقد وعيك تفيق..تسير هائما في الطرقات تصعد في باصات..تتقيأ في زاوية،تستمر في رحلة لا تعرف أين وجهتها..تصحو،ترى نفسك أمام المطار!!

تتقدم قليلا،ثم تقف..تتذكر أول مرة هاجرت فيها،تتصلب..تتراجع راكضا.

*النهاية الاولى

تتقدم قليلا،ثم تقف..تتذكر أول مرة،هاجرت فيها..تتصلب..تتراجع راكضا لتطلب تاكسيا تدخله خائفا

- من فضلك الى المدينة.

*النهاية الثانية

تتقدم قليلا..ثم تبتسم وبخطى سريعة تدرك كل شيء . ترحل على اول طائرة مغادرة!.

 

 

*المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع*

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة