مقال | القانون ثم القانون ثم القانون : غيبوه فاستباحونا ؟!!

عدد المشاهدات : 565
مقال | القانون ثم القانون ثم القانون : غيبوه فاستباحونا ؟!!

بقلم: الدكتور طالب الرماحي - كاتب عراقي مقيم في النجف الاشرف.

سؤال لطالما يطرحه المواطن العراقي على نفسه وعلى من حوله بهدف معرفة السر وراء استمرار حكم الأحزاب الشيعية وخاصة حزب الدعوة للعراق مع كل ذلك الفشل الفضيع التي تميزت به ، ومع كل تلك السرقات المهولة للثروات ، مع علمنا أن سر قوة أي حزب حاكم هو في نجاحه بإدارة البلد ومدى قدرته على استثمار خيراته في البناء ، ونقل المجتمع إلى مواقع الازدهار في كل مجالات الحياة المادية والمعنوية والمجتمعية ، لكننا نرى أن العراق في ظل هذه الأحزاب الخائبة ، أصبح واحة مقرفة للفساد والتخلف إلى درجة أصبح فيها الشعب العراقي يحلم بأبسط الخدمات وهي الكهرباء أو الماء ، بل تجاوز فشل تلك الأحزاب الحدود المعقولة للفشل المتعارف عليه ، فأصبحت بعض المدن العراقية أشبه بمكبات للقمامة أو أن أهلها مهددون بالموت بسبب الأمراض التي تجتاحها نتيجة التلوث البيئي وغياب الماء الصالح حتى للاستعمال المنزلي فضلا عن الشرب وكما يحصل في البصرة.

ومع كل تلك الكوارث التي صاحبت وجود تلك الأحزاب نرى انها تمارس دورها السلبي في إدارة البلد بثقة عالية وأمان من المحاسبة القانونية سواء كانت من الشعب العراقي أو من القوى الخارجية .

بلا شك أن الأحزاب الإسلامية بعد استلامها السلطة فكرت في حماية نفسها وضمان قوة وجودها أمام الشعب العراقي ، وهذا الهاجس عادة يعتري الأنظمة الديكتاتورية أو الأنظمة غير الواثقة من نفسها في إدارة البلد ، وهذا ما حصل لحكام العراق فاستعانت بمستشارين في الداخل والخارج ، ومن خلال مراقبتنا لتصرفات الاحزاب الحاكمة طيلة الفترة السابقة ، وجدنا انها استعانت ببعض رموز النظام الصدامي البعثي السابق ، وكان من أبرز اؤلئك المستشارين في الداخل هو أبن عم نوري كامل المالكي أمين سر قيادة حزب البعث في كربلاء المدعو ضياء يحيى العلي حيث استدعاه المالكي بعد توليه رئاسة الوزراء لأول مرة في عام ٢٠٠٦ ، فأشار على المالكي ( بالإبقاء على القوانين التي شرعها مجلس قيادة الثورة في زمن تولي حزب البعث الحكم في العراق وعدم المساس بها ) فكان تنفيذ هذا الأمر وما زال سببا في كل التخلف الذي حصل في العراق ، والذي يثير الكثير من العجب والأسى في آن واحد ، هو أن الشعب العراقي لم ينتبه لذلك مع خطورته ، وسبق أن أشرنا إلى هذا الأمر في كثير من مقالاتنا بل وحتى عبر القنوات الفضائية ، وأكدت أن الحكومات المتعاقبة قد أحجمت بشكل واضح عن إلغاء أو تعديل القوانين التي شرعها حزب البعث وفق مقاييس لا تسمح للشعب العراقي التحرك ضد السلطة الشمولية آنذاك ، بل إنها صيغت بشكل يقهر المواطن ويدخله في دهاليز روتين يصعب الخروج منها ، فتؤدي الى قمعه وابقائه يدور في حلقة الفقر والبؤس والحرمان ، علما ان عدد تلك القوانين بلغ ١١٨٠٠ أحد عشر ألف وثمانمائة قانون ، تغطي مجمل علاقات الشعب بالحكومة وتنظيم العلاقات الاجتماعية وغيرها ، واكتفت حكومات الأحزاب الإسلامية فقط بتشريع القوانين التي تمهد لها السيطرة على ثروات البلد والتحكم بعقاراته مثل قانون الاستثمار الذي أعطى كامل الصلاحية لرئيس لجنة التخصيص في التصرف بأغلب الأراضي وبيعها بحرية قانونية واسعة لمستثمرين ، اغلبهم شركاء للأحزاب الحاكمة أو من أقرباء رئيس لجنة التخصيص ، وغالبا ما يكون المحافظ وهو بالطبع جزء من أحد تلك الأحزاب ، ولم يكن حال العقارات يختلف في عملية النهب الممنهج عن الأراضي حيث تم تمليك أكثر من ٧٠% من الدور في مراكز المدن لمنتسبي الأحزاب. 

لم يكن نهب العقارات الأخطر من تمكين الأحزاب الفاسدة بالاستمرار في الحكم بعيدا عن المسائلة القانونية والمحاسبة الشعبية ، بل الأخطر هو إبقاء قوانين النظام السابق والتي أمست سيفا بتارا في يد تلك الأحزاب كما أشرنا ، وعلى سبيل المثال قانون العقوبات رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ هو أحد هذه القوانين التي أصبح في وقتنا الحاضر هراوة تفزع من يخرج عن 

طوعها ، هو من أقبح القوانين التي شرعها حزب البعث وتمسك بها حزب الدعوة وبمباركة الأحزاب الأخرى ، واعتقد ان هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن أغلب رجال القانون في العراق .

لقد أمضيت جل حياتي في بريطانيا وبعض الدول الغربية ، ومن خلال معايشتي لقوانين تلك الدول وجدت بما لا يقبل الشك ، أن متانة قوانين تلك الدول هي من وفرت للمواطن الكرامة ، وهي من ضمنت له كامل الحقوق وهي من نظمت له حياته بكل مفاصلها الصغيرة والكبيرة ، وهي التي خلقت علاقات اجتماعية متينة رصينة ، وهي التي أصبحت سيفا بتارا ليس على رؤوس الشعوب كما هو في العراق وإنما على رؤوس النظم السياسية والحكومات التي تدير شؤون الأمة ، وفي ظل تلك القوانين أصبح مصير الحكام مرتهن برضى الشعب ، وليس العكس ، وترى في ظل القوانين الصارمة للمال العام حرمة مقدسة لايمكن المساس بها او استباحتها ، وتحت خيمة القانون أصبحت الحكومات ملزمة بشكل كبير بتوفير أدق الخدمات ، وتشعر بالخوف والهلع من أي تقصير في توفيرها حتى لو كان عفويا ، بل ومن أجل أن تتحاشى تلك الحكومات ذلك أصبحت ملزمة بالتفريط في توفير تلك الخدمات الضرورية والترفيهية ، ولذلك ترى أن الإنسان كشخص والحكومة كأفراد سواسية ( كأسنان المشط ) أمام القانون ، بل في ظل تلك القوانين الانسانية الصارمة أصبح المسؤول الحكومي الحلقة الأضعف ، وهذه الخصيصة ليست عفوية وإنما خبراء القانون الذين صاغوا تلك القوانين تعمدوا أن يكون الحاكم هو الحلقة الأضعف حتى تغلق عليه أبواب الهيمنة والشعور بالتعالي على الشعب ، هذه القوانين قد صيغت بشكل لم تستثن من مناحي الحياة أمرا مهما كان أو تافها ، بدءا من القوانين التي تنظم العلاقات التجارية والمرورية والخلافات وانتهاء بحقوق الفرد من اللحظة التي تعقد فيه النطفة وحتى نزوله في القبر .

الشعوب الغربية وأغلب دول العالم المتحضر بعد الحرب العالمية الثانية ، أدركت لأول مرة أهمية القانون في خلق الأمن والسعادة والتمهيد للتقدم العلمي والتقني ، وليس ثمة شيء آخر يمكن أن يكون بديلا عنه اطلاقا ، ولذلك عمدت تلك الشعوب إلى تسخير كل الكفاءات المتوفرة لديها في القانون وعلم الاجتماع ، لوضع اسس تلك القوانين ومن ثم البناء عليها بهدف انضاجها وسد الثغرات فيها ، ولو اردنا ان نتمعن في تلك القوانين لوجدنا انها تنمو بشكل مستمر كالشجرة لا تتوقف ، وهم يدركون جيدا أن الحياة لا تتوقف ومتطلبات الإنسان هي الأخرى تغيير بتغير الأيام وعليه فان القوانين يجب أن تواكب حركة الإنسان بكل جوانبها المختلفة .

وفي العراق كل شيء يتغير ، اما القوانين يراد لها أن تبقى على حالها ، كما هي في زمن صدام المقبور ، لأنها تخدم الحاكم وتقمع المحكوم . 

فلم يعد غياب الخدمات وابسط متطلبات الحياة الا بسبب ما فرضته الأحزاب الفاسدة من تغييب للقانون في العراق ، وما بقاء السراق واللصوص يسرحون ويمرحون فيما بيننا ونحن عاجزون عن محاسبتهم ، إلا بسبب ما فرضته الأحزاب الفاسدة من عدم مراجعة القوانين البعثية ، وما بقاء التخلف الغريب يضرب باطنابه الوطن عرضا وطولا الا بسبب الاحجام في تشريع القوانين التي تنسجم مع الواقع الجديد ... فيا شعبنا العراقي المظلوم أن السيف الذي يقطع بأوصاف الوطن في كل يوم والنهب والسلب لخيراتنا في كل يوم ، وأن القهر الذي حل بنا ويحل في كل يوم ، ما هو إلا بسبب سيف القانون البتار الذي تمتشقه الأحزاب السياسية الشيعية وترفض ان تتخلى عنه ، وعلينا أن ندخل عالم التغيير من أوسع أبواب القانون ، ولا يخدعنا الآخرون ، بسلوك طريق اخرى ، فكل الطرق لبناء أي حضارة في يومنا هذا معبدة بالقانون.. فماذا انتم فاعلون ؟؟!

 

 

*المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع*

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة