مقال | بلد ما بعد التاريخ (فذلكة تاريخية) - بقلم: فاضل الشريفي

عدد القراءات : 480
مقال | بلد ما بعد التاريخ (فذلكة تاريخية) - بقلم: فاضل الشريفي

بقلم: فاضل الشريفي - كاتب عراقي مقيم في النجف الاشرف. 

يقال ان هناك بلد يسمى بلاد الرافدين دخل عليه اناس جاءوا من وراء البحار و غيروا معالمه وسمي بالعراق كان جميلا وبه جنان من النخيل ويقال ان جنة الفردوس كانت هناك ومن ثم كانت هناك حكومات متعددة وشعب مستقر ولكن دارة عليه الدوائر والانقلابات الى ان دخل في عدة حروب متعددة حرقت الاخضر واليابس ومن ثم احتل من قبل اناس جاءوا من وراء البحار ايضا واسسوا حكومة الطوائف.

بعدها اخذ العراقيون يقتل بعضهم بعضا في حرب اهلية دامية..

الى ان انتهوا و لم يبق عراقي واحد وانتهت البلاد وتلاشى الناس وصارت ارضه ارض ملعونة كل من سكنها بعدهم فان مصيره الموت وكان الارواح تطارده لذلك غادره من سكن به بعد تلك المأساة وصارت الارض ارض بور و خراب و زحف الجراد عليه و الحشرات القاتلة وسيطرت على الارض بدل الناس..

الان و بعد مئة عام من تاريخ تلك المأساة اليوم نحن عام 2250 من ميلاد السيد المسيح في بلاد البرد والشتاء الدائم في بلد الثلوج هذا البلد يدعى السويد..

في الجامعة كان الطلاب في احد الصفوف يتهامسون فيما بينهم عن المواد الامتحانية و كيفية النجاح و الارتقاء بالبحث العلمي و هل ممكن الوصول الى الحقيقة عبر البحث الاكاديمي ام التجريبي دخل الاستاذ الذي يبدو عليه الكثير من الوقار و هو ذو سحنة غريبة نوعا ما عم ما الفه الطلاب من اشكال  الاساتذة..

كان الرجل يميل الى السمرة و شعره مجعد طويل القامة و الهدوء يغلب على تصرفاته و رغم ذلك كان هذا الرجل متمكنا من درسه و جلب له ذلك احترام الطلاب و محبتهم..

دخل عليهم اليوم على غير العادة مبتسما فاراد احد الطلاب ان يستفزه بسؤال فقال له: استاذ.. هل يوجد مكان في الكرة الارضية لم يكتشف بعد ؟ فضحك الطلاب و بعضهم هزء بسذاجة السؤال..

فرد عليه احد الطلاب: كيف يكون ذلك يا ( جيمي ) و نحن اكتشفنا اعماق الكون و السفن الفضائية تمخر في المجرات بين المستعمرات البشرية التي كوناها في كواكب المجموعة الشمسية وفي الكواكب الاخرى..

فرد احد الطلاب: ولكن الكثير من اعماق البحار و المحيطات هي مجهولة لدينا لكثافة الضغط  الهائل من الماء..

اجابه احد الطلاب: نعم يا صديقي و لكن العلماء في طور التجريب لاكتشاف معادن صلبة لا تتأثر بالضغط العالي للماء  للانتهاء من هذه المشكلة و قد اكتشفنا الكثير من الاعماق . 

فرد عليهم جيمي بجدية:يا خوان انا سؤالي محدد هل هناك ارض يابسة لم تكتشف الان و لا علاقة لي بالكون او البحار كان يتكلم و عينه على الاستاذ  كان يتكلم و هو يتابع حركات الاستاذ الذي بدأت عليه علامات التوتر نوعا . فقال احد الطلاب: ان دراستنا علمية بحتة و ليس جغرافية..

فرد اخر: و لكنه سؤال اريد الاجابة اجابه الاخر باننا يجب ان نحدد اي شيء ندرس حتى لا تكون فوضى و الحوار طال و كل يدلو برايه حقيقة كان الحوار شيقا بين الطلاب و الاستاذ صامت لا يتدخل كعادته في الحوار العلمي الجاد لانهم يعرفون ان هذا الحوار هو الذي يؤدي الى النتيجة و ان نهاية كل حوار علمي سيكون مصيرهم اما للمختبر او المعمل و لكن حوارهم اليوم عن الجغرافية و البحث سيكون ميداني..

فوجه جيمي السؤال الى المدرس و رايه لأنه قد يكون الفيصل فيما يقول و لكن الاستاذ بدا عليه الحزن و الكأبة نوعا ما وقال: 

نعم يا ابنائي هناك مكان بالكرة الارضية لم يكتشف بعد و هذا المكان رغم انه في قلب العالم الا ان اهله تركوه و غادروا عنه لكثرة المصائب و الالام التي عانوها منه.. 

و هل هذا المكان بعيدا عنا استاذ سأله احد الطلاب؟؟

فأجابه الاستاذ وقد ظهرت على وجهه اثار تجعدات من الهم و الالم  مع دمعتان كبيرتان قد حفرت طريقها على خديه . فاخرج منديلا من جيبه و مسحهما، مما سبب الدهشة على الطلاب الذين دائما يرون بأستاذهم قوة الشخصية و الموهبة على تخطي الصعاب و الابتسامة الهادئة..

فاراد احد الطلاب ان يكسر هذا الجو من الحزن فحاول احد الطلاب ان يغير من شدة الالم الذي اصاب المدرس فقال: انا اسف يا استاذ لم يكن صديقي يقصد ان يؤلمك بسؤاله انا اعتذر بالنيابة عن زملائي بالصف ان كان  هذا  السؤال  قد ولد لديك الكثير من الالم 

فأجابه الاستاذ و حركة يديه على التوتر: لا عليك يا صديق ولكنها آلام وحزن يبدوا ان ورثناها في الجينات الوراثية من اسلافنا ثم يبتسم ويستعيد مكانه كأستاذ، وقال: اسمعوا يا ابنائي هناك بلد يسمى (العراق) و هو بلد لم يكتشف من زمان و هو شعب تلاشى كما يتلاشى ضوء القمر عند الصباح او غاب عن الوجود كما تغيب الشمس عند الافق

فرد عليه احد الطلاب: و اين يقع هذا البلد 

فأجابه الاستاذ: انه العراق انه في قلب العالم . حدثني جدي عنه كثيرا لأني من اصول عراقية انظروا الى سحنتي و الى بشرتي و عيناي السوداوان كلها تنبيك باني عراقي . انظروا الى هذا الحزن الذي احمله و المتوارث من زمن السلالات القديمة 

هل تعرفون بان اول قرية و اول انسان عرف الخط و الحضارة و الحياة و الديانات بدات من  هناك 

فدهش الطلاب من هذا القول و قال احدهم بتعجب كل هذا في ارض واحدة يا للعجب . هل هذا البلد كبير جدا  استاذنا العراقي قالها بنكته فضحك الطلاب و تبسم الاستاذ فرد الاستاذ 

لا يا صديقي انها راض صغيرة و لكن حباها الله بكل النعم و الثروات و لكن سوء الطالع و التقدير قد جعله اثر بعد عين 

فقال احد الطلاب استاذ نريد ان نذهب برحلة استكشافية الى هذا البلد . فنظر الاستاذ الى الارض ثم رفع   راسه بابتسامة باهته  يبدو انكم تريدوا ان تثيروا شجونا عميقه في نفسي حسنا يا ابنائي سنسافر الى هذه الارض بعد ان استحصل الموافقات من الادارة 

هل سنأخذ بعض متاعنا من ماء و طعام فرد الاستاذ لا ادري و لكن كل ما اعرف عن هذا البلد انه ارض كريمة  في كل شيء اما الماء فحسب اعتقادي لا يعطش من سكنه و التجا اليه فهناك نهران عظيمان يتدفقان على مدار العام  

بعد ايام اتفق الطلاب على الرحلة التي وفرها الاستاذ بالتعاون مع الادارة لأداء مهمة بحثية خاصة و تجمعوا في اليوم المحدد و انطلقوا عبر الطائرة الى هذا البلد .  في الطريق عبر البحار وهم ينظرون الى الجزر 

سال احد الطلاب  عن درجة الحرارة و الرطوبة و كمية الاوكسجين و الهواء و نسبة التلوث في الارض التي سنكون بها وعن متغيرات الجو و المدرس يجيبهم بما عرف عنه من اسلوب هادئ وجميل لأنه يعرف  فضولهم  للمعرفة ثم تبسم اعلموا يا اصدقائي بان رغم ابتعاده عن خط الاستواء  فان اعلى درجات الحرارة في العالم سجلت هناك فدهش الطلاب من هذه المعلومة فضحك الاستاذ و قال ان كل شيء في هذا البلد هو الاول حتى في الشعر و الادب بل حتى في الضحك و البكاء و الحزن و الجنون بل حتى  في الموت  ثم هبطت الطائرة بعد ساعات من الاقلاع في رحلة لا تخلوا من المتعة و التعب نزلوا في  وسط العراق قال الاستاذ انظروا يا اصدقائي الى هذه الارض انها الان  ارض  بورسبخة نتيجة الاهمال و قد كانت جنات غناء لننزل قرب النهر ثم  قال هذا النهر يسمى بنهر دجلة وهو متدفق وجريانه سريع . 

سأله احد الطلاب ما معنى دجلة فقال اعتقد هو الغطاء الارض لأنه يغطيها عند الفيضان و لكن انظروا الى هذا الماء الابيض الى جماله لنتمشى قليلا انظروا على ضفافه والى هذه الامواج  و هي تتكسر على الشاطئ انظروا الى القصبات التي صنع منها العراقيون القدماء ورق للكتابة انظروا الى هذه الكثبان الرملية التي كانت تحتها الكثير من الاثار والكنوز   فقال احد الطلاب 

سننقب علا ان نجد اثار لأخر الاقوام التي سكنوا هنا  فأجابه الاستاذ 

انها فكرة جيدة و ربما  ستجدون بينها احجار و لقى عليها تاريخ العراق  هلم  معي سننقب في ارضه  قد نحصل على بعض المعلومات التي نفقدها عنه يمشي الاستاذ و معه  الطلاب وعيونه ترصد الارض ثم يعثر احد الطلاب  على دفتر قلبه الاستاذ وجد كتابة  بلغة ضعيفة حاول ان يقرأها فقال لهم  انظروا انها مكتوب بالعربية 

فساله احدهم و ما  مكتوب عليها فضحك وقال احمدوا الله اني اعرف العربية لأنه مكتوب بالعربية الركيكة فيبدا بالقراءة لقد هاجرنا  من مدينتنا منذ سنين و لا امل  لنا بالعودة كل شيء تركناها من اجل ان نبقى على الحياة ثم  وجدوا بعد قليل ورقة  اخرى مكتوب عليها سننتصر لأن الله معنا نحن ورثة الحكم و الاسلام هو الحل  ثم اخرى لقد جئتكم بشريعة الذبح .. وبعدها وجد احد الطلاب ورقة  مكتوب  عليها الموت لأمريكا هناك بعض الخرق من القماش وجدوا الوانها الابيض و الاحمر و الاخضر قال الاستاذ ربما هذا علم البلد بعد قليل وجدوا خرقة سوداء مكتوب عليها الدولة الاسلامية و هناك بعض البيارق و الاعلام بالوان شتى منها الاصفر و منها الاخضر ومنها الابيض  قال الاستاذ هذه ربما اعلام الطوائف التي تحاربت مع بعضها و لكن لا افهم ما معنى الكتابات على الطابوق ربما نحتاج الى تحليل و دراسة . قد ناخذ بعضها الى بلادنا لندرسها و نحللها..

ثم راى الاستاذ ان الطلاب قد تعبوا و انهكهم العمل  فقال ما رايكم ببعض الماء فاستحسنوا منه 

فقال احدهم عطشنا يا استاذ و انت قلت ستشربون من ماء دجلة انه متدفق بشدة و لونه ابيض فقال نعم سنرتوي من دجلة اما الطعام فانا اعتقد ان هذه الارض ستكرمنا من طعامها تمشوا الطلاب الى النهر كان النهر ماه باردا و امواجه التي تتكسر على الضفاف و الشمس تعكس ضوئها 

فقال احد الطلاب كم جميلة هذه الشمس لم نرها تشرق بهذا السطوع طيلة حياتنا فضحك الاستاذ وقال هذه الارض تسمى بلاد الشمس شربوا من الماء حتى ارتوا ثم قال لنجلس و ناكل ما حصلنا من طعام ففرشوا الارض و جاء احدهم بتمرات الى الاستاذ فقال له ما هذا الطعام يا استاذ فصعق الاستاذ و قال من اين حصلت عليه يا ولدي قال وجدت بعض منه في الارض فقال هيا لنرى لان هذا النبات هو معجزة في طريقهم وجدوا نخلة فرعاء طويلة تحمل الكثير من التمر فاكلوا منها و قال البعض ان طعمه حلو جدا يبدو ان ارض اجدادك فيها نبات يخرج ثماره مثل النستلة فضحك الطلاب لهذا القول.

فقال احدهم لنحمل معنا بعضه الى بلادنا فقال الاستاذ خذوا منها ما شاتم انها ارض كريمة سنغادر هذه الارض و نحن نعلم بانها ارض خالدة و ستبقى اننا وجدنا هنا ارضا لا تموت لأنكم وجدتم التمر و النخل فاعلموا ان هذه الارض ستعود من جديد و ستبعث الروح بها لأنها ارض لازالت تنبت بالكثير من الامل و الحياة و الحضارة و انا متأكد اننا سنجد من يسكن الارض بعد حين و يعمرها  و تعود الحياة اليها.

 

*المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع*

القائمة البريدية

خدمة الاخبار العاجلة